المقريزي
360
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الفقراء إلى أن جاء شهر رمضان ، وجاء المغلّ الجديد ، فأوّل يوم من بيع الجديد نقص سعر أردب القمح أربعين درهما ورقا ، وفي اليوم الذي جلس فيه السلطان بدار العدل للنظر في أمور الأسعار قرئت عليه قصة ضمان دار الضرب ، وفيها أنه قد توقفت الدراهم وسألوا إبطال الناصرية ، فإن ضمانهم بمبلغ مائتي ألف وخمسين ألف درهم ، فوقع عليها يحط عنهم منها مبلغ خمسين ألف درهم وقال : نحط هذا ولا نؤذي الناس في أموالهم . وفي مستهل شهر رجب منها جلس أيضا بدار العدل ، فوقف له بعض الأجناد بصغير يتيم ذكر أنه وصيه ، وشكا من قضيته . فقال السلطان لقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز ، أنّ الأجناد إذا مات أحد منهم استولى خجداشه على موجوده ، فيموت الوصيّ ، ويكبر اليتيم فلا يجد له مالا ، وتقدّم إليه أن لا يمكّن وصيا من الانفراد بتركة ميت ، ولكن يكون نظر القاضي شاملا له ، وتصير أموال الأيتام مضبوطة بأمناء الحكم . ثم أنه استدعى نقباء العساكر وأمرهم بذلك ، فاستمرّ الحال فيه على ما ذكر . وفي خامس عشري شعبان سنة ثلاث وستين وستمائة ، جلس بدار العدل واستدعى تاج الدين ابن القرطبيّ وقال له : قد أضجرتني مما تقول عندي مصالح لبيت المال ، فتحدّث الآن بما عندك ، فتكلّم في حق قاضي القضاة تاج الدين ، وفي حق متولي جزيرة سواكن ، وفي حق الأمراء ، وأنهم إذا مات منهم أحد أخذ ورثته أكثر من استحقاقهم ، فأنكر عليه وأمر بحبسه ، وتحدّث السلطان في أمر الأجناد وأنه إذا مات أحدهم في مواطن الجهاد لا يصل إليه شاهد حتى يشهد عليه بوصيته ، وأنه يشهد بعض أصحابه ، فإذا حضر إلى القاهرة لا تقبل شهادته ، وكان الجنديّ في ذلك الوقت لا تقبل شهادته ، فرأى السلطان أن كلّ أمير يعين من جماعته عدّة ممن يعرف خيره ودينه ليسمع قولهم ، وألزم مقدّمي الأجناد بذلك ، فشرع قاضي القضاة في اختيار رجال جياد من الأجناد وعينهم لقبول شهادتهم ، ففرحت العساكر بذلك . وجلس أيضا في تاسع عشرية بدار العدل فوقف له شخص وشكا أن الأملاك الديوانية لا يمكن أحد من سكانها أن ينتقل منها ، فأنكر السلطان ذلك وأمر أن من انقضت مدّة إجارته وأراد الخلوّ فلا يمنع من ذلك ، وله في ذلك عدّة أخبار كلها صالحة ، رحمه اللّه تعالى . وما برحت دار العدل هذه باقية إلى أن استجدّ السلطان الملك المنصور قلاون الإيوان فهجرت دار العدل هذه إلى أن كانت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة ، فهدمها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون ، وعمل موضعها الطبلخاناه ، فاستمرّت طبلخاناه إلى يومنا ، إلّا أنه كان في أيام عمارتها إنما يجلس بها دائما في أيام الجلوس نائب دار العدل ومعه القضاة ، وموقع دار العدل والأمراء ، فينظر نائب دار العدل . في أمور المتظلمين ، وتقرأ عليه